الاثنين، 5 يونيو 2017

مس المحدث للمصحف

الحمد لله،
مسُّ الحائضِ والجُنُبِ والمحدثِ حدثًا أصغر (غير المتوضئ) للمصحفِ بلا حائلٍ = محرَّمٌ.
وعلى ذلك دلَّت فتاوى الصحابة كابن عمر وسعد بن أبي وقاصٍ وسلمان الفارسي، ولا مخالفَ لهم من الصحابة، وعلى ذلك اتفقت المذاهبُ الأربعة، ودلَّت على ذلك دلائلُ القرآن والسُّنة.
وأولُ من أحدَثَ القولَ بجوازِ مسِّ الحائضِ والجنبِ للمصحف داودُ الظاهريُّ رحمه الله، وقولُه شاذٌّ مخالفٌ لإجماعِ من سبقَهُ.
وما زالَ العلماءُ يطرحونَ قولَه، ويفتون بمذهبِ جماهير العلماءِ، حتَّى بسطَ دلائلَه الشوكاني وغيرُه، وشهَّرَهُ بعضُ أفاضلِ المعاصرين، فاغتر به قومٌ.
وسوفُ أوردُ أدلَّة الجمهورِ، ثمَّ أوردَ كلام الشوكاني واعتراضاتِه على دلائل الجمهور، وأبين ما فيها من وَهاءٍ أصوليٍّ (وإذا كنتَ متعجلًا فاقرأ الخلاصة في نهاية المنشور).
أمَّا أدلة جمهورِ الفقهاءِ فقد استدلُّوا بالقرآن، والسُّنة، وآثارِ الصحابة رضي الله عنهم.
أمَّا القرآن فقد استدلُّوا بقول الله سبحانه: «لا يمسُّه إلا المطهرون».
قالوا: هذه الآية خبـرٌ بمعنى النهي، يقتضي منعَ المحدثِ مطلقًا من مسِّ المصحف.
وأما السنة فقد استدلُّوا بحديثِ: «لا يمسّ القرآن إلا طاهرٌ».
قالوا: هذا الحديثُ ظاهرٌ في أنّه لا يجوزُ أن يمسَّ القرآن محدِثٌ.
وأمَّا آثار الصحابة رضي الله عنهم، فقد صحَّ عن ابن عمرَ وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي ما يقتضي منع المحدثِ من مسِّ المصحف.
صحَّ عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قالَ: «لا يمسُّ المُصحفَ إلا مُتوضَئ».
أخرج هذا الأثرَ : ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (جـ2/ص224) قال: حدثنا أبو سعد، ثنا محمد بن عثمان، ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر به.
وصحَّ عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «كنتُ أمسِكُ المُصحَفَ على سعد بن أبي وقاص، فاحتككتُ، فقال سعد: لعلَّكَ مسستَ ذكرَكَ»، فقلتُ: «نعَم»، فقالَ: «قُم فتوضَّأ»، فقمتُ فتوضَّأتُ، ثم رجعْتُ.
أخرج هذا الأثرَ مالكٌ في «الموطأ» (جـ2/ص58) وعبد الرزاق في «مصنفه» (جـ1/ص114) وابن المنذر في «الأوسط» (جـ1/ص301) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (جـ1/ص163) والطحاويُّ في «شرح معاني الآثار» (جـ1/ص76) والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (جـ1/ص88) من طريق إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص وإبراهيم بن أبي حرة والزبير بن عدي والحكم أربعتُهم عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص به.
وقوَّاه البيهقيُّ فقال في«الخلافيات» (جـ1/ص516): «هذا ثابتٌ».
وأما أثرُ سلمان الفارسيُّ؛ فقد قالَ عبد الرحمن بن يزيد: كُنَّا مع سلمان في حاجَةٍ، فذهَبَ فقضَي حاجته، ثم رجَعَ، فقلنا له: «توضَّأ يا أبا عبد الله، لعلَّنَا أن نسألك عن آي من القرآن ؟»، قال: «فاسألوا، فإني لا أمسُّه، إنه لا يمسُّه إلا المطهرون، قال: فسألنَاهُ، فقرأ علينا قبل أن يتوضأ».
أخرجَ هذا الأثرَ ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (1/103) والحاكمُ في «المستدرك» (2/487) من طريقين عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد به.
فهذا عبد الله بن عمر يمنع من مسِّ المصحف إلا بوضوءٍ، وهذا سعدُ بن أبي وقاص لما انتقض وضوءُ ولدِه بمسِّ الذكرِ أمره بالوضوءِ كي يمسَّ المصحف، وهذا سلمان يحتجُّ بالآية على عدمِ مسِّ المصحف على غير طهارة.
وعلى ذلك جرت فتاوى التابعين، ولا يُعلمُ أحدٌ من الصحابة ولا التابعين قالَ بجوازِ مسِّ الحائض للمصحفِ.
هذه أمهات أدلة الجمهورِ، ولكن أهمُّ من سردِ أدلة الجمهور: الجوابُ عن اعتراضات الظاهريّة، وأحسنُ من بسطها: الشوكاني رحمه الله، واغتر بها قومٌ على وهائها الأصوليِّ.
وسوفُ أوردُ كلامَه جملة جملة، وأناقشُه.
الاعتراض الأول: اعترضَ الشوكاني رحمه الله على استدلالِ الجمهورِ بالحديث بدعوى الاشتراك في لفظ «الطاهر»، فإنَّ هذا اللفظَ يطلقُ على المؤمنِ، وعلى الطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، والمشتركُ عنده مجملٌ لا يحتجُّ به حتى يردَ ما يبينُه .
وعبارتهُ في ذلك: «الطاهر يُطلَقُ بالاشتراكِ على المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، ومن ليس على بدنه نجاسة»، ثمَّ مثَّل على كلِّ ذلك، ثمَّ قالَ: «فمَنْ أجاز حَمَلَ المشترك على جميع معانيه حَمَلَهُ عليها هنا، والمسألة مدونة في الأصول، وفيها مذاهب، والذي يترجح أن المشترك مجمل فيها فلا يعمل به حتى يبين».
وهذا كلامٌ فاسدٌ من الناحية الأصولية، وذلك من وجوهٍ:
الوجهُ الأولُ: أنَّ شرطَ المشتركِ عند الأصوليين: كونه حقيقة في جميعِ معانيه، أمَّا إذا كان حقيقة في بعضِها مجازًا في الباقي = فليس بمشتركٍ.
قال الرازيُّ في «المحصول»: «اللفظ المشترك هو: اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعًا أوًّلًا من حيث هما كذلك».
ثمَّ قال: «وقولنا: (وضعًا أولًا)  احترَزْنَا به عمَّا يدلُّ على الشيءِ بالحقيقة وعلى غيره بالمجاز».
ولفظُ «الطاهر» ليس حقيقة في جميعِ معانيه، بل هو حقيقة شرعيّة في الطاهرِ عن الحدثين فحسب، بحيثُ إنه إذا أطلقَ انصرفَ إلى الطاهر عن الحدثين.
أما إطلاقُه على المؤمن فهو مجازٌ، ذلك أن جميع الآدميين مؤمنهم وكافرهم محكومٌ عليهم بالطهارة الحسيَّة، وإنما يحكم على الكفار بالنجاسة المعنوية، وهي نجاسة الاعتقادِ، ويحكمُ على المؤمنين بالطهارة المعنوية، وهي طهارة الاعتقادِ، وإطلاقُ معنى «الطاهر» على المؤمن بهذا الاعتبارِ = مجازٌ، ولا شكَّ؛ إذ حقيقة النجس والطاهر إنما تكونُ المستقذرِ المحسوس.
وأما الإجماع الذي ذكره على إطلاق الطاهر على من ليس على بدنِه نجاسة = ففي العبارة نظرٌ، ذلك أنَّ من ليس على بدنِه نجاسة إنما يطلق عليه طاهرُ العين، وليس مطلق لفظ «طاهر»، ويدلُّك على بطلان ما قاله حديث: «ما من مسلمٍ يبيتُ على ذكرِ الله طاهرًا فيتعار من الليلِ فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه»؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يقصد مجرَّد خلو البدن من النجاسة، وإنما الطهارة عن الحدثين.
ويدلّك على هذا الذي قلناه أنك تجد لفظ «الطاهر» في نصوص الشريعة منصرفة إلى الطاهر عن الحدثين.
ومن ذلك قولُه صلى الله عليه وسلّم عند أحمد: «ما من مسلم يبيت على ذكر الله (طاهرًا) فيتعار من الليل فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه» .
فقوله صلى الله عليه وسلم: «طاهرًا» حقيقة شرعيّة في الطاهر عن الحدثين.
ومن ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم عند أبي داود: «إذَا أويتَ إِلَى فِراشِكَ وأنت طاهرٌ فتوسَّد يمينَك، وقل: اللهم أسلمت وجهى إليك وفوضت أمرى إليك وألجأت ظهرى إليك رهبة ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذى أنزلت وبنبيك الذى أرسلت».
فقوله صلى الله عليه وسلم: «وأنت طاهر» كذلك حقيقة شرعيّة في الطاهر عن الحدثين.
وبذلك يتبين بطلان ما ادعاه الشوكاني من الاشترك في لفظ «الطاهر»، بل هو حقيقة شرعيّة في الطاهر عن الحدثين.
وبطلانُه من جهة شرط الأصوليين في المشترك كونُه حقيقة في جميع معانيه.
الوجه الثاني في فسادِه: قولُه: «فمن أجاز حمل المشترك على جميع معانيه حمله عليها هنا».
قلتُ: هذا غلطٌ في تحرير مذاهب الفقهاءِ، وتعميمٌ فاسدٌ، ذلك أنَّ الشافعيّة يُجَوِّزُون حملَ المشتركَ على جميعِ معانيه، ومع ذلك لم يحملوا هذا اللفظ على جميع معانيه، وأكثر الحنابلة كما قاله ابنُ النجارِ يرون ذلك، ومع ذلك لم يحملوا اللفظ على جميع معانيه.
ولو حملوه على جميع معانيه لاقتضى ذلك = تحريم مسِّ المصحف على من على بدنه نجاسة، ولا يقولُ الشافعيّة ولا الحنابلة بذلك، وإنما يحرم مسُّ المصحف بعضوٍ عليه نجاسة لا من حيث دلالة هذا الحديث، وإنما من حيثُ كونِه امتهانًا للمصحف.
الوجه الثالث من أوجه الفساد: أنَّ كلام الشوكاني يُوهمُ أنَّ المسألة مبنيّة على مسألة أصوليّة، وهي مدى جواز حمل المشترك على جميع معانيه، فإن حملناه على جميع معانيه انتهض الدليلُ على الحرمة، وإلا فلا.
وهذا غلطٌ واضح؛ ذلك أنَّ من يُجوّز حمل المشترك على جميع معانيه ومن يعارضُ في ذلك أشدَّ المعارضة = جعل لفظ الطاهر حقيقة في الطاهر عن الحدثين.
وسببُ هذا الوهمِ عند الشوكاني = خطؤه في التكييف الأصوليِّ للنصِّ.
والعجيبُ أنَّ الشوكاني نقلَ في «الإرشادِ» تعريف المشترك من «المحصول» للرازيِّ بنصِّه وفصِّه دون أن يعزوَ له حرفًا منه كعادتِه مع الرازيِّ والزركشيِّ، ثمَّ ذهل عن ذلك في هذه المناقشة.
الوجه الرَّابعُ من أوجه الفساد: قولُه: «والذي يترجح أنَّ المشترك مجمل فيها فلا يعمل به حتى يبين».
قلتُ: لو سلَّمنا بالتكييف الأصوليِّ الفاسد للفظ بأنه مشتركٌ = فإنَّ شرط الحكم على المشتركِ بأنه مجملٌ تجرُّده عن القرينة المرجحة؛ كما نصَّ الزركشيُّ في «البحر المحيط»، وقد وردَ في روايات هذا الحديث التي تنهض للاحتجاج بمجموعِ الطرق: «لا تمس القرآن إلا وأنتَ على طهرٍ»، وهذه الرواية وإن كان في إسنادِها سويد، إلا أنها تعدُّ قرينة إذا انضمت إلى ما سبقَ قويت.
الاعتراض الثاني: اعترض الشوكاني على الاستدلالِ بالحديث من الناحية الثبوتية بأنه لا يصلح للاحتجاج، وضعَّف طريق عمرو بن حزم فيه فقال: «هوغيرُ صالح للاحتجاج؛ لأنه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إسناده خلاف شديد، ولو سلم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر، وقد عرفته».
وفي هذا الاعتراضِ نظرٌ من وجوهٍ:
الأول: أنَّ كتابَ عمرو بن حزمٍ وجادة قويّة، قد وقعَ الاتفاقُ على ثبوتِها والاحتجاج بها.
يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية رحمه الله في «شرح العمدة» (جـ2/ص102): «وهذا الكتابُ مشهورٌ مستفيضٌ عند أهلِ العِلم، وهو عند كثيرٍ منهم أبلَغُ من خبر الواحد العدل المُتصل، وهو صحيحٌ بإجماعِهِم».
ولا يُرادُ هنا الطريقُ المسندة؛ إذ هي مُعلَّة، بل يرادُ الطريق التي يرويها الزهريُّ عند أبي داود في «مراسيلِه» (جـ1/ص122) قال: «قرأتُ صحيفة عند آل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ذكر أنَّ رسول الله ﷺ كتَبَهَا لعمرو بن حزم حين أمَّرَهُ على نجران، وساق الحديث فيه: (والحجُّ الأصغر العمرة، ولا يمس القرآن إلا طاهر).
وكتابُ آل حزمٍ كان عندهم يتوارثونه، ورواهُ عنهم الأئمة، بل كان الصحابة رضي الله عنهم يدعون آراءهم لهذا الكتاب.
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رضي الله عنه: « لم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم - والله أعلم - حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله».
وقد قواه جماعةٌ من كبار الحفاظ.
قال الإمام أحمد بن حنبل - كما في «مسائل البغوي»(ص51) - في هذا الحديث : «أرجو أن يكون صحيحًا» .
وقال يحيى بن معين - كما في «رواية الدوري»: «حديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لهم كتابًا» ، فقال له رجل : «هذا مسندٌ ؟»، قال : «لا ، ولكنه صالح» .
وقال العقيلي: «هو عندنا ثابت محفوظ إن شاء الله تعالى ، غير أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري، والله أعلم».
وقال يعقوب بن سفيان: «لا أعلم في جميع الكتب أصح من كتاب عمرو بن حزم ، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون يرجعون إليه ويدعون أراءهم».
ثمَّ طريقُ عمرو بن حزمٍ ليس هي الطريق الوحيدة للحديثِ، بل  للحديثِ طرقٌ أخرى بعضها حسنٌ في الشواهدِ، بل احتجَّ الإمامُ أحمد رضي الله عنه بطريقِ عبد الله بن عمر منها؛ كما نقلَهُ عنه الأثرم
الوجه الثاني: قوله: «وفي رجالِ إسنادِه خلافٌ شديدٌ» مردودٌ؛ إذ ليس كلُّ خلافٍ في رجالِ الإسنادِ يُوجبُ ردَّ الحديثَ، وعلى من معتقدِ الضعفِ في رجالِه التدليلُ عليه، أما إن كان يقصدُ الخلافَ في الإسناد نفسه على أوجهٍ فكذلك ليس كلُّ خلافٍ في الحديث على أوجه يُوجب ردَّ الحديث، إنما الخلافُ الذي يفضي إلى ردِّه من حيثُ كونه خلافًا ما وصل إلى حد الاضطراب، أما ما ترجَّح فيه وجهٌ على وجهٍ فالنظرُ إلى الوجه الرَّاجح من الأوجه، ثمَّ يكونُ النزاعُ فيه.
الوجه الثالث: قولُه: «ولو سلم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر، وقد عرفته» قد مضى ردُّ ذلك، وإثبات خطأ التكييفِ الأصوليِّ للفظ بأنه مشتركٌ.
الاعتراض الثالثُ:
اعترضَ الشوكاني على الاستدلالِ بالآية بأنَّ المرادَ بالمطهرين الملائكة، والضمير عائدٌ على اللوح المحفوظ، ولو سُلِّم أنه غيرُ ظاهرٍ في ذلك فلا أقلِّ من ورود الاحتمالِ، فيمتنع العملُ بأحد الأمرين، ويتوجه الرجوعُ إلى البراءة الأصلية، ولو سلم كذلك لما كانت فيه دلالة إذ المطهر من ليس بنجسٍ، والمؤمن ليس بنجسٍ.
وعبارتُه في ذلك: «استدل المانعون للجنب بقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون}، وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعًا إلى القرآن، والظاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنه الأقرب، والمطهرون الملائكة، ولو سلم عدم الطهور فلا أقل من الاحتمال فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجه الرجوع إلى البراءة الأصلية، ولو سلم رجوعه إلى القرآن على التعيين لكانت دلالته على المطلوب - وهو منع الجنب من مسه غير مسلمة - لأن المطهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائما لحديث: «المؤمن لا ينجس» وهو متفق عليه فلا يصح حمل المطهر على من ليس بجنب أو حائض أو محدث أو متنجس بنجاسة عينية، بل يتعين حمله على من ليس بمشرك كما في قوله تعالى: {إنما المشركون نجس}».
هكذا قالَ الشوكاني، وفي كلامِه نظرٌ من أوجهٍ:
الوجهُ الأول: أنَّ تفسيرَ المطهرين بالملائكة، وإعادة الضمير على اللوحِ المحفوظ فيه نظرٌ لأسبابٍ:
الأول:أنَّ مقتضاهُ انتفاءُ فائدة الاستثناءِ.
ذلك أنَّ ربنا سبحانه قد نفى وأثبتَ، والنفيُ والإثباتُ لا يكونُ إلا فيما يحتملُ دخولُ أفرادٍ أخرى غير المستثنى، وإلا لما كان للاستثناء فائدة.
وإيضاحُ ذلك أن الله نفي المسَّ إلا عن المطهرين، وليس في السَّماء إلا الملائكة، فلو كان المرادُ اللوح المحفوظ لما كان للاستثناء فائدة.
قال العلامة الدميريُّ رحمه الله: «ولا يجوز أن يراد بالمطهرين: الملائكة؛ لأنه نفى وأثبت فكأنه قال: يمسه المطهرون لا غيرهم، والسماء ليس فيها غير المطهرين، فعلم أنه أراد الآدميين».
مثلًا: إذا لم يكن في فصلٍ إلا طالبٌ واحد يسمى بزيدٍ، وقد دخل وحده الاختبار، فلا يستقيم أن تقولَ: «لم ينجح إلا زيدٌ»، هذا الاستثناء لا فائدة منه؛ إذ ليس في الفصلِ إلا زيد، فكذلك نقولُ هنا لو كان المرادُ الملائكة لما كان للاستثناء فائدة، إذ ليس في السماء إلا الملائكة.
السببُ الثاني: أنَّ ثمَّ قرينة مقالية متصلة تدلُّ على أنَّ المراد المصحف الذي بين أيدينا، وهو قولُه سبحانه عقبها: «تنزيلٌ من ربِّ العالمين»، فدلَّ على أنَّ المرادَ المصحف الذي بين أيدينا.
قال النوويُّ رحمه الله في «المجموع» (جـ2/ص72): «قوله تعالى: (تنزيل) ظاهرٌ في إرادة المصحف، فلا يحمل على غيرِه إلا بدليل صحيح صريح».
وقال نحوَه ابن القصار في «عيون الأدلة» (جـ1/ص302).
الوجه الثاني: قولُه رحمه الله: «ولو سلم عدم الطهور فلا أقل من الاحتمال فيمتنع العمل بأحد الأمرين» فيه نظرٌ؛ ذلك أنَّ الاحتمالَ الذي يمنعُ العملَ بأحدِ الأمرين عند الأصوليين إنما هو الاحتمال الذي يفضي بالدليلِ إلى حد الإجمالِ كما أبانَ ذلك القرافي وغيرُه من الأصوليين، أمَّا الاحتمالُ المرجوح فليس بمؤثرٍ اتفاقًا، ولو كان كلُّ احتمالِ وردَ على الدليلِ منع من العملِ بأحد الأمرين لسقطت عامة دلائل الشريعة؛ إذ عامَّة الدلائل تردُ عليه الاحتمالات.
يقولُ العلامة القرافي رحمه الله في «نفائس الأصول» (جـ4/ص1904): « مراد العلماء من تطرق الاحتمال الاحتمال المساوي، أما المرجوح، فلا عبره به إجماعا؛ لأن الظواهر كلها فيها الاحتمال المرجوح، ولا يقدح في دلالتها».
الوجه الثالث: تفسيرُه المطهر بمن ليس بنجسٍ = ففاسدٌ.
ذلك أنَّ المطهر في الشريعة يطلقُ على المطهر من الحدث والنجسٍ كذلك.
ومن ذلك قولُ الله سبحانه: «ولهم فيها أزواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فيها خالدون» .
روى الطبريُّ عن مجاهدٍ أنه قالَ في تفسيرِها: «مُطَهَّرَةٌ من الحيضِ والغائطِ والبولِ والنخامِ والبزاق والمني والولد».
الوجه الرابعُ: أنّ الآدمي يقال له: «متطهر» و«مُطَهَّر»، «متطهر» أي: تطهَّر بالماء ونحوِه، و«مطهر» أي: طهَّره الماءُ.
الخلاصة إذن:
مسُّ المصحفِ للمحدثِ حدثًا أصغر أو أكبر = محرَّمٌ باتفاقِ المذاهب الأربعة، ذهبَ بعضُ السَّلفِ - كما صحَّ عن الحسن البصريِّ - إلى تجويز مسِّه للمحدث حدثًا أصغر، والفتوى على المنعِ؛ لما صحَّ عن الصحابة في ذلك، مع ظهور دلائل التحريم.
أما مسُّ الحائض للمصحف فأول من أحدث القولَ به: داودُ الظاهريُّ، مخالفًا إجماعَ من سبقه (كما نصَّ عليه جماعة، بل ونصَّ عليه الشوكاني نفسُه)، وهو قولٌ شاذٌّ لا يُقَلَّدُ فيه.
فالعجبُ أن نقولَ: (إننا نفهم القرآن والسنة بفهم السلف)، ثمَّ نضرب بفتوى جماعة من الصحابة عرضُ الحائط، ثمَّ بفهوم الأئمة الأربعة وفقهاء التابعين، ثمَّ نتبع قولًا شاذًا لداود الظاهريِّ وابن حزمٍ الظاهري، هلَّا قلنا: «قرآن وسنة بفهم داود الظاهري».
يجوزُ للحائضِ إذا أردت أن تقرأ القرآن أن تقلَّد السادة المالكية وبعضَ الفقهاء في تجويز القراءة دون مسٍّ للمصحف، فتقرأ من تابلت أو هاتف أو كتاب تفسيرٍ.
قالَ ابنُ عبد البر رحمه الله: «وأجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأنَّ المصحفَ لا يمسُّه إلا الطاهر، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبي عبيد، وهؤلاء أئمة الرأي والحديث في أعصارهم، وروى ذلك عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وطاوس والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وعطاء، وهؤلاء من أئمة التابعين بالمدينة ومكة واليمن والكوفة والبصرة».
ثمَّ حكى قولَ داود الظاهريِّ على نحوٍ أهون مما يحكيه الجمهورُ، ثمَّ وصفه بالشذوذِ.
والحمد لله ربِّ العالمين.
كتبه الشيخ محمد سالم بحيري